كأنّك تتحسس أناك التي بين ضلوعك

في واحدة من أجمل المقاطع الروائية التي قرأتها مؤخرًا، يتساءل طارق (بطل الرواية) بعدما مرّ برحلة مرضيّة عصيبة غيّرت ملامح حياته تمامًا وجعلته يرى الموت رأي العين “كيف يُمكن للمرء أن يرثي ذاته، ومن سيرثي جسده أم عقله أم قلبه أم روحه أم ذاكرته أم أناه اللامفهومة .. ومن الراثي ومن المفقود” إن التماهي مع هذا الشيء الذي نُسمّيه الأنا وصل إلى سماواتٍ عليا، التماهي الذي -وياللمفارقة- فرّق بين طارق وبين أناه، حيث وقف طارق إزاءها مشدوهًا حائرًا “لطالما تساءل حين كان صغيرًا عن هذه الأنا التي بين ضلوعه. كان يمسك بيديه أجزاء جسده، يتحسس نفسه، يفكر في هذه الأنا. لطالما أصابه الجنون من التفكير في كونه أصبح هو ذات الـ (أنا) التي تحس وتحب وتقلق وتتحسس الوجود، وتبحث عن وجودها فيه” كيف تكون الأنا أنا؟ كيف انتهت إلى ما انتهت إليه؟ يواصل طارق أسئلته “أما كيف تركبت وتخلقت ووُجدت وكيف صرت بهذا الإحساس فهو أمر لطالما أيقنت أنه يفوق قدرتي وكففت عن التساؤل بشأنه خوف الجنون”.

متابعة قراءة كأنّك تتحسس أناك التي بين ضلوعك

الإسلام المبكر : الاستشراق الأنجلوسكسوني الجديد

تناقش الباحثة أطروحة باتريشيا كرون ومايكل كوك في كتابيهما “الهاجرية”، ويُعد هذا الكتاب الذي ظهر في أواخر السبعينيات المرجع لأطروحة المراجعين الجدد -لا أدري لماذا تجنبت الباحثة هذه التسمية طول الكتاب؟-. تنطلق هذه المدرسة الاستشراقية الجديدة من مسلمة أن المصادر الإسلامية التي تؤرخ لفترة الإسلام المبكر -أو صدر الإسلام إن شئتم- ليست موثوقة لأنها ظهرت بعد تلك الفترة بزمن؛ فهذه المصادر لا تذكر حقائق ووقائع تلك الفترة بقدر ما تسقط مُثل وأفكار فترة تلك المصادر على فترة الإسلام المبكر، وهي نصوص تعكس تحالف الحاكم مع العالم ليس لها أي مصداقية. المراجعون الجدد يرون بأن الإسلام المبكر ليس هو رواية الإسلام الرسمي المستسقاة من تلك المصادر، هو شيء مختلف تمامًا. فما الحل الذي يقدمه كرون وكوك لدراسة فترة الإسلام المبكر؟ الحل هو تجاهل المصادر الإسلامية كليًا واعتماد مصادر غير إسلامية (سريانية – قبطية – يهودية إلخ ) تؤرخ لتلك الفترة.

متابعة قراءة الإسلام المبكر : الاستشراق الأنجلوسكسوني الجديد

قراءة في رواية الحمامة لباتريك زوسكند

عاش جوناثان نويل وقتاً بائساً في بداية حياته: وفاة والدته، اختفاء مفاجئ للأب والأخت لاحقاً، خيانة زوجته، كل هذه الأحداث جعلته يقرر بأن الحياة مع الناس لا تناسبه “وأن المرء إذا أراد الهدوء والسلامة أن يبتعد عنهم”(ص7). يسحب كل مدخراته ويتجه إلى باريس حيث عاش في انعزال تام لثلاثين سنة. ثلاثون سنة من الحياة الهادئة، نعم لم تحدث له أشياء عظيمة يمكن أن يُفاخر بها، لكن أيضاً لم يحدث له أي أمر سيء يُخل بتوازن حياته، حياة روتينية وشخص وجوده في الحياة كعدمه، هذا بالضبط ما يريده. خلال هذه الفترة، عمل كحارس لأحد البنوك. كانت هذه حياته حتى وصل العقد السادس من عمره، وفي أي أحد الأيام، من دون إنذار، يجد حمامة مجروحة أمام شقته، كانت تنظر إليه وهي مُستلقية على الأرض غارقةً بدمها، هذا الموقف الذي جعل الرعب يدب في جوناثان (الحارس الذي يخاف من حمامة)، هذا الموقف هو الذي قلَب حياة الرجل رأساً على عقب، لتتطور الأحداث من بعدها، ويصل جوناثان لحالة يرى فيها “معالم الأشياء اختفت، وكل شيء يترجرج”(ص38)

متابعة قراءة قراءة في رواية الحمامة لباتريك زوسكند

عقدة هرمس : نظرات فلسفية في الترجمة

أبولون هو إله الموسيقى والشعر والفن، أي إله الإبداع، بينما هرمس هو رسول الآلهة عند اليونان. الرسول الذي ينقل الرسالة من زيوس إلى وجهة محددة. من هذا الوجه، وظيفة هرمس تشبه وظيفة المُترجم الذي ينقل النص (الرسالة) من لغة المؤلف إلى لغة المُترجم. ومن هنا أيضاً تأتي عقدة هرمس، هذه العقدة التي من أعراضها “الأمانة” في النقل عن النص المصدر -وكأنها تأتي من مصدر إلهي، كحالة هرمس- نقلاً يتسم بالحرفية الشديدة مُحاطة بهالة من القدسية، ومن أعراضها كذلك، السؤال الذي قد يطرحه المُترجم على نفسه: “هل أنا مجرد ناقل/حامل/رسول لا دور لي في النص؟”. يتصور المؤلِف صراعاً بين الاثنين: هرمس وأبولون، بين الالتزام والإبداع، بين الثنائية المعروفة في الترجمة: حرفية النص أم روحه؟

متابعة قراءة عقدة هرمس : نظرات فلسفية في الترجمة

أن تقول الشيء نفسه تقريبًا


الترجمة بالنسبة لإيكو هي “أن تقول الشيء نفسه تقريباً”، تبدو عبارة جميلة لتعريف الترجمة، لكن ما المقصود بـ”تقريباً”؟ هذا الكتاب هو شرح للمقصود بـ”الشيء” و “تقريباً” في عملية الترجمة. المؤلف لم يرد تقديم نظرية جديدة في الترجمة، بل قدم طرحاً عملياً مليئاً بالأمثلة بمختلف اللغات (الإنجليزية والإيطالية و الفرنسية والإسبانية) -التي لم أفهمها كلها بطبيعة الحال- مُستمدة من تجارب إيكو الشخصية في الترجمة غالباً، عن قضايا وعقبات وقفت أمام ترجماته لكتب كلاسيكية، وترجمات رواياته (“اسم الوردة” و “بندول فوكو” إلخ) حيث نرى هذه المشاكل بزوايا مُختلفة مع تنقيدات وحلول عملية مُقترحة عوضاً عن حلول نظرية. بالطبع، لا يعني هذا بأن الكتاب خالٍ من التنظير، أو أن إيكو لا ينطلق من منهجية نظرية معينة (الجزء الثاني من الكتاب فيه مناقشات فلسفية بحتة حول أمور عديدة من أهمها التأويل) لكن خطة إيكو في الكتاب عملية أكثر منها نظرية. يمكن أن أُلخص فكرة الكتاب الرئيسية -باختصار مُخل- بالقول: أن الترجمة عملية أخص من التأويل؛ فالتأويل مرحلة -ولابد- تسبق الترجمة. كل ترجمة هي عملية تأويلية بالضرورة، لكن ليس كل تأويل هو ترجمة. وتُوصف الترجمة -حسب إيكو- على أنها عملية تفاوض، وكأي عملية تفاوض فأنت ستخسر شيئاً، وتربح أخرا، ستجد حلولاً مُفضلة في ترجمة نص معين، وحلولاً مُفضلة في نص مُختلف، وهكذا. إذن، لا توجد قاعدة عامة لكل نص، بل يوجد تفاوض.