حوار الكلمة والصورة : في الحاجة إلى المقالة المصوّرة العربيّة

1-

المقالة المصوّرة (Video Essay) أسلوب في الكتابة أخذ في الانتشار خلال السنوات الأخيرة، حيث تقوم الكاتبة التي تريد كتابة مقالة مصوّرة بتحرير مقطع مصوّر (فيديو) بالإضافة إلى التعليق (صوتًا أو كتابةً) على هذا المقطع. الفكرة نفسها ليست جديدة ولا ثوريّة، فنحن نعرفها تمام المعرفة في التقارير الإخبارية أو الأفلام الوثائقيّة على سبيل المثال، لكن ما استجد هو استعمال الأسلوب نفسه في مواضيع واهتمامات مختلفة، وتطويره بطرق جعلته يبدو كشيء مختلف؛ فالمقالة المصوّرة لا تتحدث عن مهرجان الجنادرية الذي بدأ يوم أمس، أو عن تفجير إرهابي في باريس، بل عن مواضيع من قبيل : ما يميّز ديفيد فينشر في إخراج أفلامه السينمائية، أو تحليل نقدي للوحة الوصيفات، أو الشعور بالحنين إلى أماكن وأزمنة لم تعشها، أو قراءة لهذه الرواية أو ذاك الفلم، فبالإضافة إلى أن حضور البُعد الشخصي أوضح وأقوى من حضورها في التقارير الإخبارية، يصعب رؤية هكذا مواضيع في تقريرٍ إخباري أو فلمٍ وثائقي.

يبدو إذن أن المقالة المصوّرة أصبحت نمطًا مميزًا من الكتابة الإبداعية، وما يميزها تحديدًا هو الدمج الطريف بين المقطع المصوّر وبين الكتابة المقاليّة، بين الصورة والكلمة، بين الضوء والحرف. الدمج الذي يفجّر إمكاناتٍ إبداعية يستحيل الوصول إليها من خلال الكتابة وحدها، أو من خلال الصورة وحدها. واعتقد أننا، نحن من يعيش في عصر الصورة، في مسيس الحاجة إلى هذا التركيب المميز بين المقطع المصوّر والكتابة المقاليّة.

من المهم التأكيد على هذه النقطة : أننا نعيش في عصر الصورة. لقد غُمرنا في الصورة إلى درجة أنستنا أننا كذلك، أنستنا أن البشرية حتى عهد قريب لم تكن تعيش على هذا النحو. فكّروا للحظة بمقدار حضور الصورة ومشتقاتها (والمقطع المصوّر منها) في حياتنا : من الإعلان الدعائي على الطريق السريع مرورًا بالتلفاز والمقاطع التي نراها في الجوال حتى الأفلام والمسلسلات والبرامج، وتخيلوا أن كلّ ذلك اختفى. سنفقد الكثير بكلّ تأكيد. لكن هذا الفقد ليس فقدًا كميًا فحسب، بل أزعم بأنه فقدٌ سيربك وجودنا البشري بأكمله. إن حضور الصورة في الحياة الإنسانية لا يقل ثوريّة عن حضور الكتابة والانتقال من المجتمعات الشفاهيّة إلى المجتمعات الكتابية، الحدث الذي غيّر معالم الحياة الإنسانية برمتها. وسواء كان ذلك أمرًا محمودًا أم مذمومًا، فلا أهمية لذلك، لقد أصبحنا نعيش في عصر الصورة بلا رجعة.

ولأننا نعيش في عصر الصورة، أرى بأننا نحتاج إلى هذا الضرب من ضروب الكتابة التي تمزج الكلمة بالصورة. فبدلًا من التشكيّ من أن أغلبنا صار يقضي جلّ وقتِه في المشاهدة أكثر من القراءة، لماذا لا نغيّر الوجهة بحثًا عن حلولٍ أجدى؟ حلول يُمكن أن نجدها في المقالة المصوّرة على سبيل المثال. وما يجذب في المقالة المصوّرة هو أن لها قدرة الوقوف على خطٍ فاصلٍ بين الكتابة الأكاديمية المتخصصة والكتابة الشعبويّة الذائعة، بحيث تأخذ من الأولى جدّيتها وقيمتها، وتأخذ من الثانية -باستغلال إمكانيات الصورة- خفّتها وذيوعها. لا تسيئوا فهمي، فأنا لا أقصد التقليل من أهميّة القراءة أو أهمية الكتابة الجادّة (والثقيلة، نعم)، كلّ ما أدعو إليه هو لفت الانتباه إلى هذه الإمكانية الهائلة التي أتاحتها لنا الصورة في الكتابة واستغلالها جيدًا؛ فكما أن حضور الكتابة لم يلغِ الحاجة إلى التواصل الشفهي، لم ولن يلغي حضور الصورة أهمية الكتابة، وكما أن وجود التلفاز وشاشة الجوال لم يدعنا نترك قراءة الكتب، كذلك لن تفعل المقالة المصوّرة مع بقيّة ضروب الكتابة.

2-

كما قلت، بدأت المقالة المصوّرة في الانتشار في السنوات الأخيرة، لكن هذا الانتشار لم يطال المحتوى العربي بشكل ملحوظ حتى الآن (بعدما بحثت في الإنترنت، لم أجد إلا مقالة مصورة واحدة)، لذلك هذه التدوينة ليست إلا دعوة إلى أن يحظى هذا الأسلوب الكتابي بالاهتمام الذي يستحقه. شخصيًا، بدأت في ذلك في منتصف العام الماضي من خلال مقالة مصوّرة عن قراءتي لأفلام المخرج التركي نوري جيلان. واعتمادًا على تجربتي هذه سأذكر المشكلات والمميزات التي لاحظتها على شكل نقاط مختصرة.

المميزات :

  • الأثر الفريد : يمنح مزج الصورة بالكلمات إمكانيات إحداث أثر فريد يصعب التوصّل إليه بأيّ من هاتين الطريقتين على حدة. تحدثت في المقالة المصوّرة أعلاه عن ما سمّيته المسافة في علاقاتنا، وحاولت في أحد مواضع المقالة (2:27) إظهار ما يُمكن أن تُفجّره هذه المسافة بيننا، وما تحدثه من مشاكل. لا أظن بأن وقع ما أردت إيصاله سيكون بنفس الأثر لو اكتفيت بكتابة “تحدث المسافة مشاكل بيننا” أو ضممت المقاطع ببعضها فقط، هناك أثر فريد يحدثه هذا التفاعل بين الكلمة والصورة سيُفقد لو فعلت ذلك.
  • اختصار الصورة : الصورة تختصر الكثير. أخذت افتتاحية المقالة (التي قدّمت فيها الموضوع الذي أقصده، ووصفت مشهدًا مدته في الفلم تتجاوز خمس دقائق) أقل من دقيقة. سيستغرق ذلك أكثر بكثير لو حاولت كتابته في مقالة تقليدية.

المشكلات :

  • اللغة فصحى أو العاميّة : هذا موضوع مُعقد ومتشعب، لكن أظننا -كعرب نعيش في القرن الواحد والعشرين- نعرف جيدًا ما يعنيه هذا التضارب بين الفصحى والعاميّة، بين لغة المحاضرات وغالبية الكتب، ولغتنا اليوميّة في البيت أو في تويتر. تُعطي الفصحى بُعدًا جادًا وثقيلًا للمقالة المصوّرة، الأمر الذي سيفقدنا حميميّة العاميّة وألفتها المعتادة، وفي نفس الوقت، قد لا تعطينا العاميّة القدر الكافي من الجديّة كما في الفصحى، بالإضافة إلى تضييق نِطاق التلقي. لاحظوا بأن هذه الإشكالية لا تخطر على بال الأمريكي مثلًا، بينما هي ليست حاضرة في السياق العربي فيما يخص المقالة المصوّرة فحسب، بل حتى فيما يخص الرواية على سبيل المثال.
  • الجهد المطلوب: الأمر يختلف من شخص إلى آخر بكل تأكيد، لكن مع ذلك أقول : الجهد الذي تتطلبه كتابة مقالة مصوّرة (من العثور على المقاطع المناسبة، ومن ثم تحريرها، وكتابة النص نفسه، ومن ثم دمج النص مع المقطع المصوّر مع ما يتطلبه هذا الدمج من تعديل وتحرير وإعادة كتابة إلخ) كل هذا لا يعد إشكالية لمن يكتب مقالة تقليديّة أو يحرر مقطعًا مصورًا فقط.

ختامًا، المقالة المصوّرة أسلوب حديث في الكتابة؛ ولأنها كذلك؛ فهي لم تتصلب وتتخذ شكلًا محددًا بعد، وبالتالي هي مجال رحب للتجريّب والإبداع. اعتزم في هذا العام أن يكون عامًا تجريبيًا فيما يخصّ المقالة المصوّرة من خلال الاشتغال على مقالات مصوّرة في مواضيع متفرقة، ولأنها تجريبيّة؛ فسأكون سعيدًا بتلقي انتقاداتكم وملاحظاتكم عليها لكي ندفع بهذا الأسلوب الكتابيّ إلى الواجهة بالشكل المطلوب.

2 thoughts on “حوار الكلمة والصورة : في الحاجة إلى المقالة المصوّرة العربيّة”

  1. اول شيء يعطيك العافية، ثاني شيء انا للامانة ماشفت مقالات مصورة كثيرة لكن من متباعتي الخفيفة للقنوات الاجنبية لاحظت ان فيه تكلف بالاخراج والتعديل على حساب الموضوع نفسه للاسف، هذا غير ان الاشخاص القائمين عليها ماتدري هل هم مختصين والا من جنبها، والنقطة الاخيرة هذي خطيرة جدا يعني اي واحد بيطلع يهذري ويضيف مقطع على كلامه والناس بتصدق، والخداع هذا موجود في الافلام الوثائقية حسب ماقريت.
    لكن هالكلام هذا ماينفي اهمية المقالة المصورة وفايدتها لان مثل ماتفضلت انت المقالة المصورة لازالت في طور الولادة.
    وللاسف ما قدرت اشاهد مقطعك لاني لم اشاهد افلام المخرج الى الآن

    1. موضوع إنه “من جنبها” ممكن يشمل أي نمط من أنماط الكتابة، حتى في الكتب الورقية نفسها.
      انتظر تعليقك مشعل بعد ما تشوف أفلام جيلان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *