عقدة هرمس : نظرات فلسفية في الترجمة

أبولون هو إله الموسيقى والشعر والفن، أي إله الإبداع، بينما هرمس هو رسول الآلهة عند اليونان. الرسول الذي ينقل الرسالة من زيوس إلى وجهة محددة. من هذا الوجه، وظيفة هرمس تشبه وظيفة المُترجم الذي ينقل النص (الرسالة) من لغة المؤلف إلى لغة المُترجم. ومن هنا أيضاً تأتي عقدة هرمس، هذه العقدة التي من أعراضها “الأمانة” في النقل عن النص المصدر -وكأنها تأتي من مصدر إلهي، كحالة هرمس- نقلاً يتسم بالحرفية الشديدة مُحاطة بهالة من القدسية، ومن أعراضها كذلك، السؤال الذي قد يطرحه المُترجم على نفسه: “هل أنا مجرد ناقل/حامل/رسول لا دور لي في النص؟”. يتصور المؤلِف صراعاً بين الاثنين: هرمس وأبولون، بين الالتزام والإبداع، بين الثنائية المعروفة في الترجمة: حرفية النص أم روحه؟

يحاول شارل لوبلان في هذا الكتاب توضيح رؤيته في الترجمة بطريقة مميزة أعجبتني كثيراً. يفتتح الكتاب بقصة هرمس، ويختمه بمقالة قصيرة تبين الفكرة الرئيسية لعمله، والجانب الأكبر للكتاب يعرضه في فقرات الرابط بينها هو الترجمة، تتوسط هذه الفقرات المقدمة والخاتمة. يقدم لوبلان رؤيته بعرض لأهم الأفكار والنظريات التي تعرّضت للترجمة في سياق الفلسفة الغربية في أعمال نقّاد وفلاسفة وكتّاب مثل والتر بينيامين، وستاينر، وإمبرتو إيكو، وبومان وجاك دريدا، منطلقاً من الأساطير اليونانية حتى النظريات الحديثة، مارّاً بالعصور الوسطى ورومانسية القرن التاسع عشر عند الألمان، ومن ثم ينقدها ويُبين ما لها وعليها، إلى أن يصل إلى الرؤية التي يحاول توضيحها في الترجمة. فمثلاً، يعرض لوبلان نظرية الترجمة عند أنطوان بومان، هذه النظرية التي أتت جزئياً من جدلية الذات والآخر عند ليفيناس، يخلص بومان إلى القول بتأسيس أخلاقيات في الترجمة، ونظرية أقرب ما تكون للحرفية، وذلك محافظة على “آخريّة الآخر” في النص المُترجم. يوضح لوبلان أن نظرية ليفيناس لاتصح إلا لو كان النص المُترجم مثل مفهوم الآخر عند ليفيناس، أي “ذاتي الدلالة” وهو ليس كذلك لأسباب، أهمها: “أن النص ينتمي إلى اللغة التي هي مجموعة دلالات […] و لأنه يُحتاج إلى أن يُترجم، وهذه الحاجة ما كانت لتكون لو أنه [ أي النص المُترجم] ذاتيّ الدلالة”. وينقد كذلك ما يسميه “موضعة الترجمة” أي موضعة مفهومٍ ما بأن يُفسر انطلاقاً من فئات خاصة بفلسفة معينة، مثل “العقل العالمي” عند دريدا أو “اللغة الصِرف” عند والتر بينيامين. وما يريد أن يصل إليه في هذه الجزئية هو أن لا نخلط بين هذه النظريات التي تموضع الترجمة في فلسفة فيلسوف معين، وبين التفكير حول وفي الترجمة. يستلهم لوبلان كذلك رؤية الرومانسيين الألمان التي تبتعد عن الثنائية العقيمة: روح أو حرف النص. والنتيجة التي يصل إليها لوبلان هي رؤية ذاتية في الترجمة لا تتكامل إلا مع نظرية في القراءة. الرؤية التي ربما تميل بشكل أكبر نحو أبولون ” يجب على المترجم أن يقدّم الأضاحي لأبولون وليس لهرمس” كما يقول.

الكتاب غني بالأفكار مقارنة مع حجمه، أفكار عُرضت بأسلوب مميز و “شاعري” استلهاماً من الأساطير اليونانية بمزيج من العرض التاريخي، والنقد، والتفكير الفلسفي. مُؤَلّف مهم لأي مهتم بالترجمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *