الإسلام المبكر : الاستشراق الأنجلوسكسوني الجديد

تناقش الباحثة أطروحة باتريشيا كرون ومايكل كوك في كتابيهما “الهاجرية”، ويُعد هذا الكتاب الذي ظهر في أواخر السبعينيات المرجع لأطروحة المراجعين الجدد -لا أدري لماذا تجنبت الباحثة هذه التسمية طول الكتاب؟-. تنطلق هذه المدرسة الاستشراقية الجديدة من مسلمة أن المصادر الإسلامية التي تؤرخ لفترة الإسلام المبكر -أو صدر الإسلام إن شئتم- ليست موثوقة لأنها ظهرت بعد تلك الفترة بزمن؛ فهذه المصادر لا تذكر حقائق ووقائع تلك الفترة بقدر ما تسقط مُثل وأفكار فترة تلك المصادر على فترة الإسلام المبكر، وهي نصوص تعكس تحالف الحاكم مع العالم ليس لها أي مصداقية. المراجعون الجدد يرون بأن الإسلام المبكر ليس هو رواية الإسلام الرسمي المستسقاة من تلك المصادر، هو شيء مختلف تمامًا. فما الحل الذي يقدمه كرون وكوك لدراسة فترة الإسلام المبكر؟ الحل هو تجاهل المصادر الإسلامية كليًا واعتماد مصادر غير إسلامية (سريانية – قبطية – يهودية إلخ ) تؤرخ لتلك الفترة.

من خلال هذا الخيار المنهجي الراديكالي خلصت كرون وزميلها لنتائج غريبة بالنسبة للرواية الإسلامية الرسمية، منها على سبيل المثال : أن الإسلام هو حركة ظهرت من اليهودية، وحاول أبناء هذه الحركة (الإسماعيليون) الهجرة إلى القدس لا إلى المدينة، وأن المكة ليس فيها حرم ديني وأنها لم تحظى بمكانة اقتصادية ودينية في تلك الفترة، وأن رواية المصحف العثماني ليست إلا خرافة أموية، وغيرها من النتائج الصادمة.

الكتاب مكوّن من خمسة فصول، تعرض في الأربعة الأولى منها بشكل تفصيلي أطروحة كرون وكوك في كتابيهما الهاجرية وفي بحوثهما – والتركيز الأكبر على كرون – في الجانب الاقتصادي والسياسي لفترة الإسلام المبكر مع تعقيبات بين الحين والآخر، بينما تناقش روافد هذه الأطروحة وتنقدها في الفصل الخامس. استفادت الباحثة كثيرًا من بحث فكتور سحاب “إيلاف قريش” ونقد إدوارد سعيد في بعض المواضع، ونقدت الأطروحة في خطوطها العريضة وفي تفاصيلها لتخلص إلى أنه رغم وجاهة موضوع البحث وشجاعة الباحثين، إلى أن الأطروحة لم تكن موفقة. يُمكن أن أجمل نقد الباحثة لأطروحة كرون في خطوطها العريضة كالتالي :

– المصادر غير العربية الإسلامية عادة ما تقف في موقف المعادي للإسلام؛ فكيف يُمكن لهذه المصادر أن تُكون ذات مصداقية فيما يتعلق بتاريخ الإسلام المبكر؟

– نصوص أواسط القرن الثامن اليهودية والمسيحية -كما النصوص الإسلامية- نتجت عن أنساق كان لها وزنها ونظامها الداخلي، بالإضافة إلى أن لها نفس الآليات مع إمكانيات التحريف؛ فلماذا تعتمد دون النصوص الإسلامية؟

– حتى لو سلّمنا بالمصادر التي اعتمداها، لا يُسلم لهما بالتأويلات المتعسفة والفرضيات الغير مبنية على أسس –كما تعترف كرون في مقدمة الكتاب- التي ينطلقان منها.

– الانتقائية والسكوت الواعي أو غير الواعي عن مواضع تزعزع أطروحتهما؛ فهناك أسباب وراء هذا السكوت الاستشراقي، الأمر الذي بحثه إدوارد سعيد في كتابه المعروف.

– الإسقاط الكتابي : بمعنى استخدام نفس آليات النقد المستخدمة في النصوص المسيحية واليهودية، تقول الباحثة: هو أمر رغم وجاهته يستدعي شيئًا من الحذر بسبب اختلاف الظروف التي حفت هذه النصوص؛ فلا يعني أن إمكانية تطبيق هذه الآليات على النصوص المقدسة المسيحية واليهودية يُمكن أن يُناسب النصوص الإسلامية المقدسة.

– الخلط التاريخي : حيث ترى الباحثة أن كرون وكوك يخلطان بين السياقات التاريخية؛ فعلى الرغم من أن موضوعهما هو تاريخ الحضارة القديمة إلا أن الهاجس السياسي المعاصر لا يغيب عنهما. هذا بالإضافة إلى استخدامها لمصطلحات لا تنطبق على تلك الفترة مثل “كلفة النقل” المصطلح الذي ذكرته في موضع نقدها لمقولة أن مكة ذات مكانة اقتصادية هامة في تلك الفترة.

لم تنال أطروحة كرون قبولًا من المستشرقين ناهيك عن من يتبنى الرواية الإسلامية الرسمية، وتراجعت كرون نفسها عن العديد من نتائج ومناهج بحثها، وثمة كشوف بحثية – آخرها مصحف بيرمنغهام – تسدد ضربات قاسمة لنتائج كرون البحثية خصوصًا فيما يتعلق بالمصحف العثماني. ربما الفائدة الوحيدة من “الهاجرية” – كما علّق أحد نقادها متهكمًا – هو درس “ماذا لو”، بمعنى، على سبيل التمرين الذهني والبحثي، ماذا لو نفينا موثوقية المصادر الإسلامية التي تؤرخ لفترة الإسلام المبكر برمتها وأخذنا هذا الخيار المنهجي إلى نهايته، ماذا ستكون النتيجة؟ لن تكون النتيجة مبشرة : افتراضات غير مبنية على أساس صلب، وتأويلات تعكس ذاتية الباحث، وتخمينات وتصورات تحاول تعويض فراغ المصادر، كل هذا يؤدي إلى نتائج -عن قصد أو عن غير قصد – تستغل في تعمّق قيم “اللاحوار” وانبعاث الجدالات الدينية القروسطية في زي بحث أكاديمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *