كأنّك تتحسس أناك التي بين ضلوعك

في واحدة من أجمل المقاطع الروائية التي قرأتها مؤخرًا، يتساءل طارق (بطل الرواية) بعدما مرّ برحلة مرضيّة عصيبة غيّرت ملامح حياته تمامًا وجعلته يرى الموت رأي العين “كيف يُمكن للمرء أن يرثي ذاته، ومن سيرثي جسده أم عقله أم قلبه أم روحه أم ذاكرته أم أناه اللامفهومة .. ومن الراثي ومن المفقود” إن التماهي مع هذا الشيء الذي نُسمّيه الأنا وصل إلى سماواتٍ عليا، التماهي الذي -وياللمفارقة- فرّق بين طارق وبين أناه، حيث وقف طارق إزاءها مشدوهًا حائرًا “لطالما تساءل حين كان صغيرًا عن هذه الأنا التي بين ضلوعه. كان يمسك بيديه أجزاء جسده، يتحسس نفسه، يفكر في هذه الأنا. لطالما أصابه الجنون من التفكير في كونه أصبح هو ذات الـ (أنا) التي تحس وتحب وتقلق وتتحسس الوجود، وتبحث عن وجودها فيه” كيف تكون الأنا أنا؟ كيف انتهت إلى ما انتهت إليه؟ يواصل طارق أسئلته “أما كيف تركبت وتخلقت ووُجدت وكيف صرت بهذا الإحساس فهو أمر لطالما أيقنت أنه يفوق قدرتي وكففت عن التساؤل بشأنه خوف الجنون”.

تحكي رواية عام الريح قصّة الشاب طارق ومعاناته مع التهاب الكبد وتأثير ذلك على نفسه وعلاقاته. لامست الرواية عدّة قضايا ومواضيع، منها -ومن أبرزها ربما- موضوع صراع التيارات، الموضوع الذي قُتل روايةً في المشهد الأدبي المحلّي، ومعاناة المريض مع مرضه التي عُرضت بتفصيل مطوّل ودقيق احتل جزءًا كبيرًا من الرواية، حيث نرى قلق وخوف طارق من خلال تفاصيل الفحوصات والتشخيص والعلاج. قد يقال أن هكذا موضوع (صراع التيارات) وهذه التفاصيل قد تزعج القارئة وتدفع بها إلى الملل، لكن -مع وجاهة هذا- يجب التأكيد على جانب مهم في الرواية، وهو ذكاء اختيار واستخدام الأدوات السرديّة.

يتكئ الحسن على أسلوب العرض الارتجاعي (الفلاش باك) كثيرًا في الرواية باعتماده على حوارات مطوّلة تدور بين طارق وبين طبيبه النفسي، هذا الطبيب النفسي الذي ينهج نهج مدرسة فرويد في التحليل النفسي التي تهتم باللاوعي اهتمامًا بالغًا؛ فنراه يطلب من طارق الاسترسال في أول فكرة تطرأ على باله دونما تفكير طويل؛ فإذن ثمّة منطق سردي -إن جاز التعبير- متماسك باستخدام هذه الأداة (الفلاش باك) من خلال هذه الطريقة (الطبيب النفسي واللاوعي) حتى ولو تطرّقت الرواية إلى أمورٍ متشعبة وتفاصيل قد تبدو غير ذات صلة من الوهلةِ الأولى؛ فقضية صراع التيارات -مثلًا- كما عُرضت في الرواية تتعلّق أولًا وأخيرًا بشخص طارق وذكرياته وعلاقة كلّ ذلك بحالته النفسية والوجوديّة، ولم تظهر كشيء مُقحم ودخيل فيها.

اختيار منظور الراوي العليّم بدلًا من منظور الشخص الأول له وجاهته، وقد أفاد الرواية كثيرًا (باختصار، للتفريق بين ضميريّ السرد هذين : إذا ورد في الرواية “أكلت التفاحة” فهذا منظور الشخص الأول، وإذا وردت “أكل طارق التفاحة”؛ فهذا منظور الراوي العليّم، أو منظور الشخص الثاني في حالات أخرى) وإن كان ثمّة ارتباك طفيف بين المنظورين في بعض مواضع الرواية (مثلًا، في ص80: “كيف لم ينتبه طارق إلى هذا، ماذا لو أنني لم أفعل ذلك […]”) إلا أنه في المجمل كان لهذا الاختيار حسناته؛ فقد جعلنا نرى الحكاية من منظور غير منظور طارق، وأفاد كذلك في تفاصيل الذكريات التي يذكرها طارق للطبيب النفسي؛ فطارق الذي أطال في استرجاع ذكرياته في المجلس الثقافي الذي كان يحضره في طفولته، لا يعرف ما يجري فيه حقًا، كل ما يذكره طارق هو وجوده هناك، لكن تفاصيل ذكريات ذلك المجلس تكفّل بها منظور الراوي العليّم.

نرى كذلك الذكاء السردي في سرد المعلومات المختلفة التي يذكرها طارق (عن التحليل النفسي – عن الأفلام – عن الموسيقى – عن مرضه إلخ)؛ فحتى وإن كان ذكر المعلومات بهذه الكثافة قد يزعج القراء، إلا أن المسوغ السردي لذلك يكمن في ثيمة أكدت عليها الراوية أكثر من مرّة، وهي ثيمة “مواجهة المشاعر بالمعلومات”، وفي حالة طارق مواجهة خوفه من المرض بالمعلومات والانغماس فيها. المعلومات تساعدنا في الوقوف أمام طوفان المشاعر، تجعلنا نضع مشاعرنا (هل أقول أنانـا؟) جانبًا والاتكاء على هذه المعلومات كحاجز دفاعي بيننا وبينها. هل تقف المعلومات حاجزًا بيني وبين الأنا التي بين ضلوعي؟

لكن مع كل هذا، يجب علي أن أقول بأن هذا الذكاء السردي لم يوفّق دائمًا؛ فهناك مشكلة الشخصيات التي تظهر وتختفي فجأة بشكل غريب. منها شخصية منيرة التي ظهرت لتساعد طارق في معلومات الموسيقى المصريّة التي غمس نفسه فيها في محاولة منه في مواجهة المرض. تظهر منيرة وتختفي دون سبب مقنع حقًا. هنا تبدو شخصيّة دخيلة في الرواية.

في المجمل، وإن كان هناك بعض التفاصيل الطويلة والقضايا المكررة التي قد تبدو غير متماسكة من الوهلة الأولى، إلا أن ذكاء اختيار واستخدام الأدوات السرديّة سيقنعك بعكس ذلك. رواية عام الريح عمل روائي واقعي إلى حد الألم، عرض لأزمة وجوديّة تعيشها الشخصيّة الرئيسية بصدقٍ موجع وكاشف، كما تفعل الحكايات العظيمة دومًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *