سواليف الزواج : حديثٌ عن سرابِ السحرِ

المقهى مكتظٌ كالعادة.

طلب كلّ واحد منّا طلبه عند الكاشير “اثنين كابتشينو اثنين فلات وايت؟” أعاد المحاسب مؤكدًا. وبعد مبارزة والله ما تدفع! المعتادة -ولأنني للتو قد استلمت مكافأة مالية لأحد الأعمال التي قمت بها؛ فقد انتهت المبارزة بانتصاري المظفّر- ذهبنا إلى إحدى الطاولات الخارجية للمقهى. بداية الشتاء الجميلة، حيث لم يكن الجو باردًا لارتداء الجاكيت، ولا حارًا لكي ترابط عند المكيفات. الفترة الاستثنائية من السنة التي يصبح فيها الكل -فجأةً- مبتسمًا ويمسك لك الباب لتخرج قبله.

ابتدأت جولة السواليف بالحديث عن مبارة الكلاسيكو الإسباني الأخيرة، ومن ثم عن بعض الكتب التي صدرت مؤخرًا، وعرّجنا على فلم توم هانكس السيء المعروض حديثًا، وتطرقنا، بالطبع، إلى الجوّ البديع. إلّا أن النقاش اتخذ منحى جادًا عندما ذَكّرَنا فهد، نحن الشلّة العشرينيّة العزّابيّة، بصديقنا الذي خَطب قبل أسبوعين :

– “جماعتنا بدأت بالتساقط واحدًا واحدًا يا أصحاب، أمس علي وبكرة سعد”.
– “حصوننا مهددة” قلت.
– “وبعدها لن نجتمع في مقهى. في البداية سينشغل علي بشهر العسل، ثم بمشاوير زوجته، ثم بالعيال، ثم بفلوس العيال، وإذا قلنا له أن يزورنا سيعتذر بأنه مشغول مع البيت، وبعدها سينسانا. إلى الأبد.”

قلت بيني وبين نفسي بأن عليًا لن يسمّي زوجته البيت. لكن السؤال الوجودي الذي طرأ عليّ لحظتها هو : بماذا سيدعوها أمامنا؟ لدي نظرية عنوانها “من تسميتهم لزوجاتهم تعرفونهم”، وثمّة طيف واسع يمتد مِن مَن يسمي زوجته البيت (أكثرهم محافظة) إلى من يذكر اسم الزوجة (لنسمي هذا الصنف بالمنفتح لعدم توفّر مصطلح مناسب حاليًا). تكلّم سعد بعد دقيقة صمت :

– “لنكن صريحين يا جماعة، هذا اليوم سيأتي عاجلًا أم أجلًا. هو الشر الذي لا بدّ منه” .
– “من قال إنه ضروري!” ردّ وائل “من قال إنه لزام عليّ دخول القالب الذي أعدّه ليّ المجتمع : الدراسة ثم الوظيفة ثم الزواج من البنت الي ستخطبها ليّ أمي؟” وائل من الفئة التي تذكر اسم الزوجة. في حال تزوجت طبعًا.
– “لا اعتقد مشكلتك مع الزواج بما هو زواج، وائل” في محاولة منيّ لأخذ النقاش إلى مجال مختلف.
– “كيف يعني؟”
– “أقصد، أنت مشكلتك مع نمط محدد من الحياة في هذه البلد، النمط الذي ذكرته توًا، أنت لست ضد العمل، أنت ضد الوظيفة، ضد إنك تصحى من 7 الصباح إلى 4 العصر في عمل لا تحبه، ونفس الأمر ينطبق على الزواج : أنت لست ضد فكرة الارتباط ببنت، أنت ضد فكرة إن أمك تخطب لك أحسن بنت رقصت في العرس أو البنت الطبّاخة في العائلة”.
– “ممكن” قال بعد لحظة تردد، ثم تابع :”لكن مع ذلك لا أستطيع منع نفسي من رؤية غباء فكرة الزواج نفسها، الارتباط المؤبد بشخص. فكّر يا إبراهيم في ذلك للحظة، وعندما تبدأ تسأل نفسك الأسباب التي تدفعك للزواج فستجدها واهية. كلّ سبب ممكن يخطر في بالك من أجل الزواج لا معنى له. كلّ سبب.”

“كابتشينو؟” سأل العامل مستفسرًا؛ فأشرت باتجاه سعد ووائل، وقلت له أن يضع كوبيّ الفلات الوايت بيني وبين فهد الذي قال :

– “يا لطيف! بهذه النظرة يا وائل كل شيء لن يكون له معنى، وليس الزواج فحسب” لم يجب وائل، واكتفى بإيماءة لا مبالية. فتابع : “شوف، أنا ممكن أخاف من خطوة الزواج؛ لأنها … ثقيلة، لكن مع هذا، لا أرى بأن لا معنى لها.”
– “في فرق بينهما؟ الثقل وخلوها من المعنى؟” سأل سعد
– “أكيد ثمّة فرق. دعني أحكي لكم ما حدث لي قبل أيام قليلة” ارتشف قليلًا من الفلات وايت وتنحنح إشارةً إلى أننا مقبلون على أمرٍ جلل “تعرفون منيرة صح؟ في تويتر؟” هززنا رؤوسنا بالإيجاب “كنّا مجرد أصدقاء، ونتحدث عن كل الأمور التي أتحدث فيها معكم. بعد فترة وصلنا إلى تلك المرحلة، مرحلة -لنُسمّها- بعد الصداقة ما قبل الحب: ثمّة سحرٌ ما بيننا، نعرف جيّدًا بأننا متوافقون مع بعضنا بعضًا إلى درجة مربكة، أعني بمربكة أنك تبدأ تسأل عندها “ماذا لو ..” ماذا لو أخذنا علاقة الصداقة إلى مرحلة أبعد؟ ماذا لو تعرفت عليها أكثر؟ ماذا لو .. تزوجنا؟” بدأت تظهر الابتسامات الخبيثة على وجوهنا. قلت :
– “آه يا ابن اللذين .. طلعت حبّيب أجل؟”
– “اسمعوا يا ملاعين” ردّ ضاحكًا “الموضوع جاد” أخذ كيس سكر من أكياس السكر التي على الطاولة، فتحه، ووضع السكر في الكوب، وأخذ يتكلّم وهو يحرّك السكر بالملعقة : “قبل عدّة أيام، وعندما كنّا نتحدث حديثنا المعتاد، فاجأتني، قالت لي بأنها تريدني أكثر من صديق. صُعقت، لم أدري كيف أجيب. من دون مبالغة يا أصدقاء، كلّ الجاذبية، كلّ السحر الذي حدّثتكم عنه اختفى في لحظة. في طرفة عين.”
– “ما السبب طيّب؟” قلت
– “لا أدري. والله لا أدري. قد تقولون بأنني حقير وبلا ضمير، لكن هذا ما حدث معي. ولا أريد أن أكذّب مشاعري. فسّرتها بثقل فكرة الارتباط. ربما أرى الارتباط ثقيل ولا أريده. ربما أخاف ألّا تكون الشخص المناسب .”
– “الشخص المناسب! ومن هو الشخص المناسب؟” رد وائل بحماس
– “لا أدري”
– “تريدونها متعلّمة لكن فيها سذاجة، جريئة لكن ليست قليلة أدب، “عظيمة” في السرير لكن عذراء، متعمّقة في قراءة الكتب لكن اجتماعية، إلخ من هذه الـ”لكن”ـات” التي تثبت وهم فكرة الشخص المناسب هذه. لكن لماذا لا تكون هذه لحظة حقيقة تكشفّت لك، لحظة رؤية لا معنى فكرة الارتباط نفسها؟”
– “لا أدري.”
– “عقّدتوا الموضوع” وضع سعد جواله

سعد من عائلة تقليديّة وغنيّة، لذا نعرف بأن زواجه لن يكون إلّا من “العائلة”، وهو كثير السفر ترويحًا عن نفسه. نعرف كلّنا -بمن في ذلك عائلته- أي نوع من الترويح عن النفس يقصده، لكن لا نذكر ذلك، نكتفي بالابتسامات الصامتة التي تقول بأننا نعرف ما تعرف ويتظاهر كلّ منّا بأننا لا يعرفه. ونعرف أيضًا بأن حوارًا كهذا لن يكون له معنى بالنسبة له. قال :

– “سواء كانت فكرة الزواج بلا معنى أو ثقيلة، لا أرى فرقًا في الحقيقة، وكلّ هذا يؤكد ما ذكرته قبل قليل بأن الزواج هو الشر الذي لابد منه. سواء كان طريقك “الزواج عن حب” أو “زواج ستختاره لك أمك” لا فرق، طرق مختلفة ستؤدي إلى نفس النتيجة : ستجد في زوجتك ما تحب وما ستكره، ستنجب أولادًا، وسُتسمى تلك البنت زوجـتك، وغير هذا، حيويّة “شبابك” ستختفي في متاعب الزواج. أيًا كان نوع هذا الزواج”
– “لا أدري كيف ستختفي حيوية شبابك في الزواج، لكن بغض النظر، لنكن واقعيين بعض الشيء” قلت محاولًا إبداء وجهة نظري : “مشكلتنا يا شباب أننا غير واقعيين، حتى فؤاد -وإن كان يحاول الظهور بعكس هذا- غير واقعي، حالم وصل لنهاية مسدودة، ومتفاءل بنتيجة مقلوبة. من قال إن الزواج أو الارتباط يجب أن يكون بلا متاعب أو قيود؟ هي مرحلة سنصل لها عاجلًا أم آجلًا، نعم، وعبء ثقيل، صحيح، لكنه أمر يجب أن نتقبّله كما هو، بلا تفاءل أو تشاؤم. وعندها، عندها فقط، سنرى جمالًا (فتحًا/رضًا/سعادةً)، سمّوها ما تريدون، جمالًا يتجاوز هذه الثنائيات.”

لم يردّ أحد، فتابعت موضّحًا:

– “تعرفون القصة المعتادة في الأفلام لثلاثي الحب؟ زوج وزوجة وعشيقة لهذا الزوج؟ هنا تبصّر مهم بالنسبة لي : العشيقة لن تكون موجودة من دون زوجة. بمعنى، لو لم تكن هناك زوجة لن تكون هناك عشيقة. وجود الزوجة ضروري لوجود العشيقة. فما …”
– “تقصد أتخذ عشيقة بعد الزواج لكي أحب زوجتي؟” قاطعني سعد
– “لا، لم تفهمني. ما أردت قوله بأن سحر العشيقة لن يوجد من غير زوجة، هو نفسه السحر الذي تكلّم عنه فهد قبل قليل بالمناسبة. المقصد أن نرى سراب هذا السحر، لا لكيّ نقول إنه بلا معنى، بل العكس تمامًا : أن نتقبّل سراب هذا السحر، ونرى واقع الزواج كما هو من خلاله، وإذا فعلنا ذلك سنرى الجمال، جمال واقع الزواج نفسه وكما هو، وهذا الجمال الذي أقصده سيحدث في أصغر الأمور التي لن نتوقعها. وهنا مكمن جماله.”
– “لعبت في رأسك أفلام الأبيض والأسود وأنا أخوك” سعد
– “لا أرى إلّا أنك تلاعبت بالكلمات لتبعد نظرك عن رؤية الفراغ واللامعنى، لا أكثر ولا أقل.” فؤاد
– “يبدو إنك ستتزوج وتتركنا يا إبراهيم” فهد

سكتنا بعدها عدّة دقائق يقلّب فيها كلّ واحدٍ منّا في جواله. تذكرت مطعم برغر فتح قبل فترة بسيطة واقترحت أن نتناول العشاء هناك، وافقوا، ويبدو بأننا كنّا جائعين؛ فخرجنا مباشرةً وذهبنا إلى مطعم البرغر الجديد.

One thought on “سواليف الزواج : حديثٌ عن سرابِ السحرِ”

  1. الزواج عموماً فكرة مخيفة ومعقدة حتى لو وجدت ذلك الشخص الذي تقسم أيماناً ثلاثة أنه نصف روحك التي انقسمت عنها في أزل الله والتي أنفقت عمرك تبحث عنها سواءً بقصد أو بدون قصد عن طريق إضاعة عمرك في تجربة الطرق الخاطئة.
    إذ كيف لك أن توقع عقد على الإرتباط بحياة أخرى للأبد؟ على مقاسمتها أدق صور روحك؟ أن تتجلى أمامها بكل شكل ولون مخترقاً كل حاجز وضعته بين نفسك و الاخرين؟
    لأنه دائماً هناك احتمال: ماذا لو كان الشخص الخطأ؟ لا ضمانات في الزواج على الإطلاق. ماذا لو أنك لم تعد الشخص الذي أحبه في المرة الأولى؟ طيّب ماذا لو أنك توقفت أنت عن الرغبة به؟
    طبعاً المسألة بسيطة جداً على من لا تهمه هذه الأشياء أصلاً لكن الذين اختبروا تقلبات أرواحهم بعين متبصرة سيجدون أن فكرة الزواج مرعبة جداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *